فصل: مسألة الجنائز يؤذن بها على أبواب المساجد:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة المرأة تعتق الرجل فيموت المعتق ثم ولدها وأخوها أحق بالصلاة عليه:

وسئل مالك عن المرأة تعتق الرجل فيموت المعتق- ثم ولدها وأخوها، من ترى أحق بالصلاة عليه؟ قال ابنها، ما لأخيها وما له؟ ابنها أحق بميراثه، والصلاة عليه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن ابن المرأة أقرب إليها من أخيها- وإن لم يكن من قومها عند مالك، خلاف مذهب الشافعي.

.مسألة الرجل يبتاع الوصيف الصغير من سبي الروم:

ومن كتاب أوله الشجرة تطعم بطنين في السنة:
وسئل عن الرجل يبتاع الوصيف الصغير من سبي الروم- وقد أراد به سيده الإسلام، فيقيم في يديه أياما ثم يموت، أترى أن يصلى عليه؟ قال إن لم يسلم، فلا يصلى عليه.
قال محمد بن رشد: مذهب ابن القاسم وروايته هذه عن مالك، أن الصغير من سبي أهل الكتاب، لا يجبر على الإسلام، ولا يحكم له بحكمه حتى يجيب إليه؛ وقيل إنه يجبر على الإسلام- وإن كان معه أبواه، وهو قول الأوزاعي، والثوري، وظاهر رواية ابن نافع عن مالك في كتاب التجارة إلى أرض الحرب من المدونة، واختيار أبي عبيد؟ قال: لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه؟ وقيل إنه يجبر على الإسلام، إلا أن يكون سبي معه أبوه، كانا في ملك واحد أو لم يكونا؛ ولا يلتفت في ذلك إلى أمه، وهو قول المدنين وروايتهم عن مالك، ورواية معن بن عيسى عن مالك في آخر سماع موسى بن معاوية. وقيل إنه يجبر على الإسلام، إلا أن يكون معه أحد أبويه فيكون تبعا له، ما لم يفرق بينهما الإملاك، وهو قول ابن الماجشون في ديوانه؛ فيتحصل في ذلك ستة أقوال- سنذكر بيانها في سماع محمد بن خالد من كتاب المرتدين والمحاربين إذا وصلنا إليه- إن شاء الله، واختلف إن مات قبل أن يجبر على الإسلام في الموضع الذي يجبر فيه، فقيل إنه يحكم له بالإسلام لملك سيده إياه، وهو قول ابن دينار، ورواية معن بن عيسى عن مالك؛ وقيل إنه لا يحكم له بالإسلام حتى ينويه له سيده، وهو قول ابن وهب؛ وقيل إنه لا يحكم له بالإسلام حتى يرتفع عن حداثة الملك شيئا، ويزييه سيده بزي الإسلام، ويشرعه بشرائعه، وهو قول ابن حبيب، وقيل إنه لا يحكم له بالإسلام حتى يجيب إليه ويعقل الإجابة ببلوغه حد الإثغار أو نحو ذلك، وقيل إنه لا يحكم له بحكم الإسلام حتى يجيب إليه بعد البلوغ، وهو مذهب سحنون؛ وأما الصغير من سبي المجوس، فلا اختلاف في أنه يجبر على الإسلام، إلا أن يكون معه أبواه، أو أحدهما في ملك واحد، أو أملاك متفرقة؛ فعلى ما تقدم من الاختلاف في الصغير من سبي أهل الكتاب وإن مات قبل أن يجبر، فعلى ما تقدم من الاختلاف أيضا؛ واختلف في الكبير من سبي المجوس، هل يجبر على الإسلام أم لا- على قولين، ولم يختلف في الكبير من سبي أهل الكتاب، أنه لا يجبر على الإسلام؛ ومذهب ابن حبيب فيما ولد للنصراني في ملك المسلمين، مثل قول ابن القاسم إنه لا يجبر على الإسلام، بخلاف السبي؛ وذهب أبو المصعب إلى أنه لا يجبر في السبي، ويجبر فيما ولد في ملك المسلمين، عكس تفرقة ابن حبيب، فهذا تحصيل الاختلاف في هذه المسألة، وقد مضى بعضه في أول سماع أصبغ من كتاب الصلاة؛ والذي يشهد له قول النبي- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه»- الحديث- أن يحكم للصغير من أولاد المشركين كيفما كان، ما لم تكن له ذمة، ولم يكن معه أبواه- بحكم الإسلام.

.مسألة التكبير لصلاة الجنائز:

وسئل مالك عن التكبير لصلاة الجنائز فيمن يكبر خمس تكبيرات، أترى أن يكبر معه، أم يقطع ذلك؟ قال بل يقطع ذلك أحب إلي إذا كبر أربعا، ولا يتبعه في الخامسة.
قال محمد بن رشد: إنما استحسن أن يقطع، ولم يقل إنه يكبر معه الخامسة- مراعاة للخلاف، كما قال في الإمام يرى في سجود السهو خلاف ما يرى من خلفه؛ لأن الإجماع قد انعقد بين الصحابة في خلافة عمر بن الخطاب على أربع تكبيرات في صلاة الجنائز، فارتفع الخلاف؛ روي أن الناس كانوا يختلفون في التكبير في الجنازة، فلما ولي عمر ورأى اختلاف الناس في ذلك، شق عليه ذلك، فجمع أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال لهم: إنكم معاشر أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ متى تختلفون، يختلف من بعدكم؟ ومتى تجتمعون على أمر، يجتمع الناس عليه، فانظروا أمرا تجتمعون عليه؟ فكأنما أيقظهم، فقالوا نعم ما رأيت يا أمير المؤمنين، فتراجعوا الأمر بينهم، فأجمع أمرهم على أربع تكبيرات- عدد ركعات أطول الصلوات، فهذا أولى ما قيل في ذلك، وقد فرق بين الموضعين بأن السجود فعل يظهر مخالفة الإمام فيه، والتكبير قول لا يظهر مخالفة الإمام فيه، وبأن الاختلاف في سجود السهو، ليس في نفسه كالتكبيرة الخامسة في الجنازة، وإنما هو في موضع إيقاعه، وقال أشهب، وابن الماجشون- عن مالك، إنه لا يقطع ويسكت، فإذا كبر الإمام الخامسة سلم بسلامه، وهذا على اختلافهم في المسافر يصلي بالمسافرين، فيتم الصلاة، فقيل إنهم يسلمون لأنفسهم وينصرفون، وقيل إنهم يقدمون منهم من يسلم بهم، وقيل إنهم ينتظرون الإمام حتى يسلم فيسلموا بسلامه، وسيأتي في آخر نوازل أصبغ الاختلاف في: هل يكبر معه الخامسة من فاتته بعض تكبيرة، وبالله التوفيق.

.مسألة الجنازة إذا وضعت لتدفن أينتظر الناس فراغها أم ينصرفون:

ومن كتاب أوله حلف بطلاق امرأته:
مسألة وسئل مالك عن الجنازة إذا وضعت لتدفن، أينتظر الناس فراغها؟ أم ينصرفون؟ قال إن الناس ليفعلون ذلك اليوم، وما كان من أمر الناس في القديم؛ وقيل له أترى ذلك واسعا لمن أقام أو انصرف؟ فقال نعم، أرى ذلك واسعا.
قال محمد بن رشد: وهذا واسع كما قال؛ لأن الدفن عبادة مبتدأة منفصلة عن الصلاة، مختصة بما لها من الأجر، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من شهد الجنازة حتى يصلي، فله قيراط، ومن شهد حتى تدفن، كان له قيراطان». فقوله «ومن شهد حتى تدفن فله قيراطان»، يدل على أن ذلك ترغيب؛ وقال زيد بن ثابت: إذا صليت، فقد قضيت الذي عليك؛ وقال حميد ما علمنا على الجنازة إذنا، ولكن من صلى ثم رجع، فله قيراط؟ فلا يلزم من صلى على جنازة، أن يشاهد دفنها؛ ولا يدخل في ذلك من الاختلاف، ما دخل في من حمل جنازة، هل له أن ينصرف دون أن يصلي عليها، وقد مضى بيان ذلك في رسم القبلة قبل هذا.

.مسألة الجنائز يؤذن بها على أبواب المساجد:

وسئل مالك عن الجنائز يؤذن بها على أبواب المساجد، فكره ذلك وكره أن يصاح خلفه: استغفروا له، يغفر الله لكم. وابتدأ ما هو فيه بالكراهية. قال ابن القاسم وسألت مالكا عن الجنازة يؤذن بها في المسجد يصاح بها، قال لا خير فيه- وكرهه، وقال لا أرى بأسا أن يدار في الحلق يؤذن الناس بها، ولا يرفع بذلك صوته.
قال محمد بن رشد: أما النداء بالجنازة في داخل المسجد فلا ينبغي، ولا يجوز باتفاق، لكراهة رفع الصوت في المسجد، فقد كره ذلك حتى في العلم، وأما النداء بها على أبواب المساجد، فكرهه مالك هاهنا ورآه من النعي المنهي عنه، روي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال «إياكم والنعي، فإن النعي من عمل الجاهلية»، والنعي عندهم أن ينادى في الناس: ألا إن فلانا قد مات، فاشهدوا جنازته، واستخفه ابن وهب في سماع عبد الملك من هذا الكتاب، ومن كتاب الصلاة؛ وقول مالك: وأما الإذن بها، والإعلام من غير نداء، فذلك جائز بإجماع، وقد «قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المرأة التي توفيت فدفنت ليلا: أفلا آذنتموني بها». وقد روي عن حذيفة بن اليمان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنه قال: «إذا مت فلا تؤذنوا بي أحدا، إني أخاف أن يكون نعيا، وقد سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينهى عن النعي».

.مسألة النصراني يموت هل لابنه وهو رجل من المسلمين أن يقوم في أمره:

وسئل مالك عن النصراني يموت أترى لابنه وهو رجل من المسلمين أن يقوم في أمره، ويتبعه إلى قبره من غير شهود له؟ قال ما أرى أن يقوم في أمره ولا يتبعه إلى قبره، قد ذهب الحق الذي كان يلزمه من أمره إذا انقضت حياته، إلا أن يخاف أن يضيع، قال ابن القاسم هذا أثبت ما سمعت من قول مالك وبه آخذ.
قال محمد بن رشد: قد حكى ابن حبيب عن مالك، أنه قال: لا بأس أن يقوم بأمره كله، ثم يسلمه إلى أهل دينه ولا يتبعه، إلا أن يخاف عليه الضيعة، فيتقدم إلى قبره، ولا يلي إدخاله فيه، إلا ألا يجد من يكفيه ذلك؛ ولهذا قال ابن القاسم في روايته عنه: إنها أثبت ما سمع منه، فاختار من قوله ألا يقوم في شيء من أمره، إلا ألا يجد من يكفيه ذلك، وإتباعه إلى قبره إن خشي عليه الضيعة، يكون معتزلا عن الحاملين له من أهل دينه- على ما حكى عنه ابن حبيب، مخافة أن ينزل بهم سخط من الله، فيصيبه معهم.

.مسألة التسليم على الجنازة:

ومن كتاب أوله سن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
قال ابن القاسم في التسليم على الجنازة يسلم الإمام واحدة ويسمع من يليه، ومن وراءه يسلمون واحدة في أنفسهم، وإن أسمعوا من يليهم لم أر بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة سواء، فالإمام يسمع من يليه سلامه؛ لأنهم يقتدون به فيسلمون بسلامه، ومن خلفه يسلم في نفسه، وليس عليه أن يسمع من يليه، إذ لا يقتدي بسلامه، وإنما يسلم ليتحلل من صلاته، لقوله- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- «تحريم الصلاة التكبير، وتحليلها التسليم». والصلاة على الجنائز صلاة، فهي داخلة في عموم لفظ الصلاة، وفي سماع ابن غانم في بعض الروايات، أنه يرد على الإمام من سلم عليه- قياسا على الصلاة الفريضة وهو تفسير لسائر الروايات.

.مسألة اتخاذ المساجد على القبور:

قال ابن القاسم في اتخاذ المساجد على القبور، قال إنما يكره من ذلك هذه المساجد التي تبنى عليها؛ فلو أن مقبرة عفت فبنى قوم عليها مسجدا فاجتمعوا للصلاة فيه، لم أر بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: تكررت هذه المسألة في هذا السماع، والرسم بعينه من كتاب الحبس، وهي مسألة صحيحة؛ فوجه كراهية اتخاذ المساجد على القبور ليصلي فيها من أجل القبور، ما روي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لعن الله زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج».
وقوله،- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد- يحذر ما صنعوا-». وقوله: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وأما بناء المسجد للصلاة فيه على المقبرة العافية، فلا كراهة فيه- كما قال؛ لأن المقبرة والمسجد حبسان على المسلمين لصلاتهم، ودفن موتاهم؛ فإذا عفت المقبرة- ولم يمكن التدافن فيها، أو استغنوا عن التدافن فيها، واحتيج إلى أن تتخذ مسجدا يصلى فيه، فلا بأس بذلك؛ لأن ما كان لله، فلا بأس أن يستعان ببعض ذلك في بعض على ما النفع فيه أكثر، والناس إليه أحوج؛ وذلك إذا عفت لكراهية درس القبور الجدد المسنمة على ما قال في أول سماع ابن القاسم من كتاب الأقضية، وفي الواضحة وغيرها، فقد روي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لأن يمشي أحدكم على الرضف خير له من أن يمشي على قبر أخيه»، وقال: «إن الميت ليؤذيه في قبره ما يؤذيه في بيته».

.مسألة يجعل على القبر بلاطة ويكتب فيها:

وكره ابن القاسم أن يجعل على القبر بلاطة ويكتب فيها، ولم ير بأسا بالحجر، والعود، والخشبة، ما لم يكتب في ذلك ما يعرف به الرجل قبر وليه.
قال محمد بن رشد: كره مالك البناء على القبر، وأن يجعل عليه البلاطة المكتوبة؛ لأن ذلك من البدع التي أحدثها أهل الطول- إرادة الفخر والمباهاة والسمعة، فذلك مما لا اختلاف في كراهته.

.مسألة النساء يخرجن إلى الجنائز على الرحائل ومشاة:

ومن كتاب البز:
مسألة وسئل مالك عن النساء يخرجن إلى الجنائز على الرحائل، ومشاة؟ قال قد كان النساء يخرجن فيما مضى من الزمان، ولقد كانت أسماء بنت أبي بكر تخرج تقود فرس الزبير- وهي حامل مثقل، حتى عوتبت في ذلك؛ فقيل له أفترى بخروجهن بأسا؟ فقال ما أرى بأسا، إلا أن يكون أمرا يستنكر.
قال محمد بن رشد: أجاز مالك رَحِمَهُ اللَّهُ إتباع النساء الجنائز، وخروجهن فيها؛ واحتج في ذلك بالعمل الماضي؛ لأنه عنده أقوى من أخبار الآحاد العدول، إلا أن يأتي من ذلك ما يستنكر فيمنع، وقد قالت عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: لو أدرك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما أحدثه النساء لمنعهن المساجد، كما منعه نساء بني إسرائيل. وقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من شهد جنازة حتى يصلي عليها فله قيراط، ومن شهد حتى تدفن كان له قيراطان». فدخل في عموم ذلك الرجال والنساء، وما روي من «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن زوارات القبور»، معناه- عند أهل العلم- أن ذلك كان قبل أن يرخص في ذلك، فلما رخص فيه، دخل في الرخصة النساء مع الرجال، وقد قالت أم عطية: «نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا». فقيل إنما نهين عن ذلك لقلة صبرهن، وكثرة جزعهن. وقيل إنما نهين عن ذلك من باب الصون والستر، فالنساء في شهودها ثلاث: متجالة، وشابة، ورائعة بدرة جسيمة ضخمة: فالمتجالة تخرج في جنازة الأجنبي والقريب، والشابة تخرج في جنازة أبيها وأخيها ومن أشبههما من قرابتها، والمرأة الرائعة البدرة الضخمة، يكره لها الخروج أصلا، والتصرف بكل حال، هذا هو المشهور، وقد ذكر ابن حبيب أن خروج النساء في الجنائز مكروه بكل حال: في أهل الخاصة، وذوي القرابة، وغيرهم؛ وينبغي للإمام أن يمنع من ذلك.

.مسألة الصبي يسبى صغيرا ومن نية صاحبه أن يجعله يسلم:

ومن كتاب أوله كتب عليه ذكر حق:
مسألة وسئل مالك عن الصبي يسبى صغيرا، ومن نية صاحبه أن يجعله يسلم، فلا يقيم إلا يوما أو يومين حتى يموت؛ أترى أن يصلى عليه؟ قال: إن كان أمر بالإسلام فأجاب إليه فليصل عليه، وإلا فلا يصلى عليه.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول ما هذه المسألة مجودا موعبا في رسم الشجرة تطعم بطنين في السنة، فلا معنى لإعادته.

.مسألة جنازة رجل وجنازة امرأة تحضران جميعا من ترى يصلي عليهما:

ومن كتاب الشريكين:
مسألة قال مالك في الجنازتين تحضران جميعا جنازة رجل، وجنازة امرأة، من ترى يصلي عليهما: أولياء المرأة، أو أولياء الرجل؟ قال مالك: ليس ينظر في ذلك إلى أولياء المرأة، ولا إلى أولياء الرجل، ولكن ينظر إلى أهل الفضل منهم والسن، فيقدم عليهما؛ وقد كان الناس فيما مضى يودون أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلون على جنائزهم- رجاء بركة دعائهم.
قال محمد بن رشد: ذهب ابن الماجشون إلى أن أولياء الرجل، أحق من أولياء المرأة، قال: وقد قدم حسين بن علي- عبد الله بن عمر للصلاة على جنازة أخته أم كلثوم، وابنها زيد بن عمر بن الخطاب أخي عبد الله بن عمر حين كان عبد الله بن عمر أحق بالصلاة على أخيه من حسين بالصلاة على أخته؛ وهذا لا حجة فيه- عندي، إذ قد يحتمل أنه إنما قدمه لسنه، ولإقراره بفضله، لا من أجل أنه أحق بالصلاة على أخيه منه على أخته، وقدم ابنها إلى الإمام في الصلاة عليهما، ولم يورث واحدا منهما من صاحبه؛ لأنه لم يدر أيهما مات قبل صاحبه، فكانت فيهما ثلاث سنن على ما قال ابن الماجشون.

.مسألة التيمم للجنازة:

ومن كتاب اغتسل على غير نية:
مسألة وسئل عن التيمم للجنازة، فقال: إن كان بعيدا جدا، بحيث يجوز له التيمم للصلاة يتيمم- يريد في السفر.
قال محمد بن رشد: هذا قول مالك في سماع أشهب، وفي المدونة والواضحة، وغيرهما: لم يختلف في ذلك قوله، وأجاز التيمم في الحضر لها خوف فواتها- جماعة من علماء المدينة وغيرهم، منهم: ابن شهاب، ويحيى بن سعيد، والليث؛ وأخذ به ابن وهب من أصحابه، وقد اختلف قول مالك في الحاضر هل يصلي الفريضة بالتيمم أم لا- على ثلاثة أقوال، أحدها: أنه يصليها به وتجزئه. والثاني أنه يصليها به ويعيدها. والثالث: أنه لا يصليها حتى يجد الماء فيتوضأ ويصلي، وقد قيل إنه إن لم يجد الماء حتى خرج الوقت، سقطت عنه الصلاة، ومن مذهب مالك أن المتيمم يصلي النافلة بالتيمم، ويستبيح به جميع ما يستباح بالوضوء، فيجي على قوله: أن الحاضر من أهل التيمم، وأنه يصلي ولا يعيد- بناء على مذهبه المذكور أن له أن يتيمم لصلاة الجنازة، والعيدين.

.مسألة هل صلى صهيب على عمر بن الخطاب:

وسئل مالك: هل صلى صهيب على عمر بن الخطاب؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: حقق هاهنا أن صهيبا صلى عليه، وقال في سماع أشهب لم أسمع ذلك، ولكني أظنه، لقوله يصلي بكم صهيب. وهو ظن كاليقين؛ لأنه يبعد في القلوب أن يستخلفه عمر على الصلاة أيام الشورى، فيصلي عليه غيره، وهم لم يجتمعوا بعد على إمام، وهو صهيب بن سنان الرومي، يعرف بالرومي وهو من العرب؛ لأنه أصابه سباء- وهو صغير، فصار أعجمي اللسان، صحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل أن يوحى إليه، ثم أسلم معه بمكة هو وعمار بن ياسر في يوم واحد، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرا، فهو من المهاجرين الأولين؟ وروي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليحب صهيبا حب الوالدة ولدها»- والله الموفق.

.مسألة صلاة النوافل والجلوس في المساجد أفضل أم شهود الجنائز:

ومن كتاب أوله مرض وله أم ولد فحاضت:
وسألت مالكا فقلت له: أي شيء أعجب إليك: القعود في المسجد أم شهود الجنائز؟ فقال: بل القعود في المسجد أعجب إلي، إلا أن يكون حق من جوار، أو قرابة، أو أحد ترجى بركة شهوده- يريد به في فضله فيحضره. قال ابن القاسم: وذلك في جميع المساجد.
قال محمد بن رشد: ذهب سعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم، إلى أن صلاة النوافل والجلوس في المساجد، أفضل من شهود الجنائز- جملة من غير تفصيل، فمات علي بن حسين بن علي بن أبي طالب، فانقلع الناس لجنازته من المسجد، إلا سعيد بن المسيب، فإنه لم يقم من مجلسه، فقيل له ألا تشهد هذا الرجل الصالح من البيت الصالح؟ قال: لأن أصلي ركعتين، أحب إلي من أن أشهد هذا الرجل الصالح، من البيت الصالح؛ وخرج سليمان بن يسار فصلى عليه واتبعه، وكان يقول شهود الجنائز أفضل من صلاة التطوع جملة أيضا من غير تفصيل، وتفصيل مالك رَحِمَهُ اللَّهُ هو عين الفقه، إذ إنما يرغب في الصلاة على من يعرف بالخير، وترجى بركة شهوده؛ فمن كان بهذه الصفة، أو كان له حق من جوار، أو قرابة، فشهوده أفضل من صلاة التطوع- كما قال مالك، لما تعين من حق الجوار، والقرابة؛ ولما جاء من الفضل في شهود الجنازة، فقد روي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «أفضل ما يعمل امرؤ في يومه شهود الجنازة». ولأن مراتب الصلوات في الفضل على قدر مراتبها في الوجوب، فأفضل الصلوات صلاة الفريضة، ثم صلاة الوتر، إذ قد قيل إنه واجب؛ ثم الصلاة على الجنائز لأنها فرض على الكفاية، ثم ما كان من الصلاة سنة، ثم ما كان منها فضيلة، ثم ما كان منها نافلة.

.مسألة الأعجمي يقال له صل فيصلي ثم يموت هل يصلى عليه:

قال ابن القاسم: سئل مالك عن الأعجمي يقال له صل فيصلي ثم يموت، هل يصلى عليه؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن من صلى فقد أسلم، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، فذلك المسلم الذي له ذمة الله؛ ومن أبى فهو كافر، وعليه الجزية». وقد مضى في رسم القبلة ما فيه بيان لهذه المسألة، وبالله التوفيق.

.مسألة مات وعليه دين يحيط بماله:

ومن كتاب أوله باع غلاما بعشرين دينارا:
وقال مالك: من مات وعليه دين يحيط بماله، فإن الكفن مبدأ على الدين؛ قال مالك: ومن كان له رهن في يدي رجل، ثم مات- ولا مال له غير ذلك، فلا يكفن منه، والمرتهن أحق به من الكفن.
قال محمد بن رشد: تكررت هذه المسألة في هذا السماع من كتاب المديان والتفليس، وهي مسألة صحيحة؛ أما قوله إن الكفن مبدأ على الدين، فالأصل في ذلك ما ثبت من أن مصعب بن عمير قتل يوم أحد، فلم يترك إلا نمرة كانوا إذا غطوا بها رأسه، بدت رجلاه، وإذا غطوا بها رجليه بدا رأسه، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «غطوا رأسه، واجعلوا على رجليه من الإدخر». وما ثبت أيضا من أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بدفن قتلى أحد بثيابهم من غير أن يعتبر ما يبقى لورثتهم، أو لدين- إن كان عليهم، وهذا أمر لا أعلم فيه اختلافا، إلا ما يروى عن سعيد بن المسيب في أحد قوليه: إن الكفن من الثلث؟ والصحيح ما عليه الجماعة: أنه من رأس المال. وأما قوله إنه لا يكفن من الرهن، والمرتهن أحق فهو كما قال ولا اختلاف فيه؛ لأن حق المرتهن قد تعين في عين الرهن، وما تعين من الحقوق في أعيان الأشياء من التركة، فهو مبدأ على ما ثبت منها في الذمة، كأم الولد، وزكاة تمر الحائط الذي أزهى قبل موت المتوفى، والرهن، وما استحق من الأصول والعروض ببينة تشهد على عينه، والله ولي التوفيق.

.مسألة الإمام يصلي على الجنازة فيتابع بين التكبير ويدع الدعاء:

من سماع زياد عن مالك:
مسألة قال: وقال مالك في الإمام يصلي على الجنازة فيتابع بين التكبير ويدع الدعاء، أترى ذلك يجزئه؟ قال: أرى أن تعاد الصلاة عليه، كالذي يترك القراءة في الصلاة.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن القصد في الصلاة على الميت الدعاء له، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أخلصوه بالدعاء». ولذلك سميت صلاة لما فيها من الدعاء، فإذا لم يدع للميت فلم يصل عليه.

.مسألة أهل الميت هل يبعث إليهم بالطعام:

من سماع أشهب وابن نافع عن مالك- رواية سحنون من كتاب الجنائز الأول:
مسألة قال أشهب: وسئل مالك عن أهل الميت هل يبعث إليهم بالطعام؟ فقال إني أكره المناحة، فإن كان هذا ليس منها فليبعث.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن إرسال الطعام إلى أهل الميت لاشتغالهم بميتهم إذا لم يكونوا اجتمعوا لمناحة، من الفعل الحسن المرغب فيه المندوب إليه، روي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لأهله لما جاء نعي جعفر بن أبي طالب: «اصنعوا لآل جعفر طعاما، وابعثوا به إليه، فقد جاء ما يشغلهم عنه»، وبالله التوفيق.

.مسألة تفضيل علي رضي الله عنه لعمر على عثمان:

وأخبرني جعفر بن محمد، عن أبيه، أنه قال لما وضع عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وسجي عليه، قال له علي: ما على الغبراء، ولا تحت الخضراء، أحد أحب إلي أن ألقى الله بكتابه منك!
قال محمد بن رشد: في هذا تفضيل علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لعمر على عثمان، وهو الذي عليه أهل السنة، والحق أن أفضل الصحابة أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ وقد روي هذا عن مالك، وروي عنه أيضا الوقوف عن تفضيل بعضهم على بعض. وروي عنه أيضا تفضيل أبي بكر على عمر، ثم الوقوف عن المفاضلة بين علي وعثمان، والأول هو الذي يعتمد عليه من مذهبه- والله أعلم.

.مسألة صلاة من في المسجد على الجنازة بصلاة الإمام عليها بخارج المسجد:

قال وسمعته يحدث عن أبي النضر، «أن رسول الله صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد».
قال محمد بن رشد: ثبت هذا عن النبي- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-؛ وروي عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من صلى في المسجد على جنازة، فلاشيء له». فاختلف أهل العلم لما تعارض من هذين الحديثين في الصلاة على الجنازة في المسجد، وفي صلاة من في المسجد على الجنازة بصلاة الإمام عليها بخارج المسجد؛ فمنهم من أجاز ذلك وضعف حديث أبي هريرة، وقال معنى قوله فلا شيء له- أي فلا شيء عليه، مثل قوله عز وجل: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7] أي عليها. ورأى العمل على ما جاء في سهيل بن بيضاء، واستدل على ذلك بإنكار عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا على من أنكر عليها ما أمرت به من إدخال سعد بن أبي وقاص في المسجد؛ وهو مذهب الشافعي، وأحمد بن حنبل؛ ومنهم من كره ذلك، ورأى ما جاء في سهيل بن بيضاء، أمرا قد ترك وجرى العمل بخلافه؛ وأن حديث أبي هريرة ناسخ له؛ لأنه متأخر عنه، واستدل على ذلك بإنكار الناس- وهم صحابة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على عائشة ما أمرت به من أن يمر عليها بسعد بن أبي وقاص في المسجد، إذ كانت الصلاة على الجنازة في المسجد أمرا قد ترك، وجرى العمل بخلافه- بعد أن كان يفعل؛ لما علموه مما هو أولى منه، ولم تعلم بذلك عائشة، وظنت أنهم إنما كانوا تركوا ذلك، ولهم أن يفعلوه، لا لأنهم علموا أن غيره أولى منه؛ وهذا معنى قول مالك في المدونة: لا توضع الجنازة في المسجد، وإن وضعت قرب المسجد لم يصل عليها من في داخل المسجد، إلا أن يضيق خارج المسجد بأهله؛ وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه. ومنهم من كره أن يصلى على الجنازة في المسجد، وأجاز إذا وضعت خارج المسجد أن تمتد الصفوف بالناس في المسجد، وإلى هذا ذهب ابن حبيب، وعزاه إلى مالك، وقال: هو من رأيه، ولو صلى عليها في المسجد ما كان ضيقا، وفي صلاة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على سهل بن بيضاء في المسجد، دليل على أن الميت ليس بنجس، وقد مضى في أول سماع ابن القاسم من الحجة على ذلك ما فيه كفاية، فإذا كان ليس بنجس، وإنما يكره إدخاله في المسجد- إذا لم يدفن فيه، مخافة أن ينفجر منه شيء فيه، فلا فرق في كراهية الصلاة عليه في المسجد بين أن يكون فيه أو خارجا منه، وهو مذهب مالك في المدونة، وظاهر قوله في الحديث: «من صلى على جنازة في المسجد، فلا شيء له» إذ لم يفرق فيه بين أن تكون الجنازة في المسجد، أو خارجا عنه؛ وإذا قلنا إن ذلك مكروه، فإن فعله لم يأثم ولم يؤجر، وإن لم يفعله أجر؛ لأن حد المكروه ما تركه أفضل من فعله؛ وهو الذي يدل عليه قوله- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «من صلى على جنازة في المسجد، فلا شيء له».